زكريا القزويني
318
آثار البلاد واخبار العباد
الخليفة : أصلح اللّه القاضي ! كم يكون سنّ عمره ؟ فعلم يحيى انّه قصد بذلك استحقاره لقلّة سنه ، فقال : سنّ عمري مثل سنّ عمر بن عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول اللّه ، عليه السلام ، قضاء مكّة ! فتعجّب الحاضرون من جوابه . وحكي انّه كان ناظر الوقوف ببغداد فوقف العميان له وقالوا : يا أبا سعيد اعطنا حقّنا ! فأمر بحبسهم ، فقيل له : لم حبست العميان وقد طلبوا حقّهم ؟ فقال : هؤلاء يستحقّون أبلغ من ذلك ، إنّهم شبّهوني بأبي سعيد اللوطي من مدينة كذا ! وكان هذا قصدهم فما فات القاضي ذلك . وحكي انّه اجتاز بجمع من مماليك الخليفة صبيانا حسانا فقال لهم : لولا أنتم لكنّا مؤمنين . فعرف المأمون ذلك فأمر أن يذهب كلّ يوم إلى باب داره أربعمائة مملوك حسن الصورة ، حتى إذا ركب يمشون في خدمته إلى دار الخلافة ركابا . وينسب إليها أبو عبد اللّه أحمد بن محمّد بن حنبل . كان أصله من مرو وجئ به حملا إلى بغداد فنشأ بها . فلمّا كان أيّام المعتصم وقع في محنة المعتزلة ، جمع المعتصم بينه وبين المعتزلة وكبيرهم القاضي أبو داود . قالوا : ان القرآن مخلوق ! قال لهم أحمد : ما الدليل على ذلك ؟ قالوا : قوله تعالى : وما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث . فقال لهم أحمد : المراد من الذكر ههنا الذكر عند قوله تعالى : ص والقرآن ذي الذكر . فالذكر مضاف إلى القرآن فيكون غير القرآن ، وههنا مطلق وفي ص مقيّد ، فيجب حمل المطلّق على المقيّد . فانقطعت حجّتهم ، فقال المعتصم لأبي داود : ما تقول في هذا ؟ فقال القاضي : هذا ضالّ مضلّ يجب تأديبه ! وعن ميمون بن الإصبع قال : كنت حاضرا عند محنة أحمد ، فلمّا ضرب سوطا قال : بسم اللّه ، فلمّا ضرب الثاني قال : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه ؛ فلمّا ضرب الثالث قال : القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، فلمّا ضرب الرابع قال :